أحمد الدعمي
لم يكن خروج القوات الأمريكية من العراق مجرد مشهد عسكري ينتهي بمغادرة الجنود والقواعد، بل يمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقة بين بغداد وواشنطن، تفرض أسئلة تتجاوز الجانب الأمني إلى الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.
فبعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، يغادر آخر الجنود الأمريكيين، فيما تبقى آثار تلك المرحلة حاضرة في المشهد العراقي، كما تبقى الولايات المتحدة حاضرة بأدوات أخرى لا تحتاج إلى قواعد عسكرية أو جنود على الأرض.
ماذا بعد الرحيل؟
بحلول الثلاثين من سبتمبر من هذا العام، انتهت عملية «العزم الصلب» التي شنها التحالف الدولي ضد عصابات داعش، وأصبحت الدولة العراقية تمتلك السيادة على أجوائها وأراضيها وقواعدها العسكرية، وتكتمل هذه السيادة مع البدء بخروج القوات التركية من قواعدها في شمال البلاد.
بيد أن الفصائل المسلحة التي لم تسلم سلاحها لغاية الآن ما تزال تمثل، في أقل تقدير، تهديدين مباشرين للحكومة العراقية. الأول يكمن في قرار السلم والحرب، لا سيما أن تلك الفصائل تعلن صراحة أخذ تعليماتها من طهران فيما يخص هذا الجانب.
أما التهديد الثاني، فيتمثل في كون هذا السلاح الخارج عن سيطرة الدولة قد يكون سببا في فرض عقوبات أمريكية خانقة على العراق، مما قد يؤدي إلى فقدان العملة العراقية قيمتها أمام الدولار الأمريكي.
ماذا يقول التاريخ؟
في العراق، غادرت القوات الأمريكية عام 2011، ثم عادت بعد ثلاث سنوات لمحاربة داعش. وفي أفغانستان، انتهى الوجود العسكري الأمريكي عام 2021 بعد نحو عقدين من الحرب، وعادت حركة طالبان إلى السلطة بعد أيام قليلة من الانسحاب.
وهي حالة تظهر أن بناء مؤسسات الدولة خلال وجود قوة أجنبية لا يعني بالضرورة قدرتها على الصمود بعد خروج تلك القوة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: من يحمي العراق بعد الرحيل؟ بل أيضا: من يملك التأثير في العراق بعد الرحيل؟
فإذا كان الوجود العسكري أحد أدوات النفوذ الأمريكي، فإن خروجه لا يعني بالضرورة اختفاء بقية الأدوات، فضلا عن قدرة بغداد على إدارة التوازن بين واشنطن وطهران وبقية القوى الإقليمية والدولية.
ومن هنا تبدأ أهمية المرحلة الجديدة؛ فالعراق لا يختبر فقط قدرته على إدارة أمنه من دون قوات أمريكية على أرضه، وإنما يختبر قدرته على الحفاظ على قراره السياسي والاقتصادي في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد.
ولذلك فإن ما بعد الرحيل قد يكون أهم من الرحيل نفسه.
هل عادت لنا السيادة؟
على الرغم من قيام الحكومة العراقية بتعطيل الدوام الرسمي لثلاثة أيام سميت بـ«أيام السيادة»، وإجراء احتفالات عدة بهذه المناسبة، فإن ذلك لا يعني إطلاقا أن الانسحاب الأمريكي قد حقق السيادة للعراق.
فما تزال أموال النفط تذهب إلى حساب خاص في البنك الفيدرالي الأمريكي، ثم يعود جزء منها بطائرة خاصة إلى بغداد لتغطية الرواتب والنفقات.
العلاقة العراقية الأمريكية باتت تتخذ اليوم مشهدا جديدا، خاليا من الوجود العسكري ومليئا بالحضور المالي والاقتصادي، فلا يملك العراق، في الوقت الراهن، قدرة على مواجهة أدنى عقوبة تصدر عن الخزانة الأمريكية، خصوصا أن هناك من يرى أن واشنطن ستمسك بعصى العقوبات من منتصفها، على العكس مما كان عليه الوضع مع وجود القوات الأمريكية في بغداد.
الخلاصة
سيداتنا ما تزال رهينة الدولار في واشنطن؛ فلا حرية من دون حرية المال والعائدات.
لذلك، علينا ترك المهاترات جانبا، والنظر بعين العقل إلى المشهد العراقي. ولا سبيل لنا غير تغليب المصلحة الوطنية، وجعل العراق أول وآخر قراراتنا، لا سيما أننا في وضع نعاني فيه من الكهرباء والطاقة والوقود وغلاء الأسواق وغيرها من التحديات التي تمس حياة المواطن العراقي بصورة مباشرة.
