علي حازم – كربلاء
أثارت الاستعدادات والتحصينات العسكرية العراقية على الحدود السورية نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، ورغم أن هذه الخطوات تُعد من حيث المبدأ مشروعة ومباركة في إطار حماية السيادة والأمن الوطني، إلا أن حجمها وطبيعتها يطرحان تساؤلات جدية حول مدى واقعية التهديدات التي يُبنى عليها هذا التصعيد.
فالمقارنة المتكررة بعام 2014 تبدو غير دقيقة، بل ومضللة أحياناً، لأن المشهد الإقليمي تغير جذرياً، واللاعبون اليوم ليسوا هم أنفسهم ،فقوات الجولاني لا تمتلك لا القدرة العسكرية ولا البيئة الحاضنة التي تمكنها من اختراق الحدود العراقية أو تهديد العمق الأمني للدولة، أما تمددها الأخير داخل سوريا، وعلى حساب قوات (قسد)فلم يكن نتيجة تفوق عسكري خارق، بقدر ما كان ثمرة صفقات سياسية وانسحابات محسوبة، تمت في سياق تفاهمات إقليمية ودولية، وعلى حساب ملفات سياسية أخرى.
اضافة إلى ذلك أن الترسانة الثقيلة للجيش السوري تعرض معظمها للتدمير بفعل الضربات الإسرائيلية المتكررة ، وما تبقى لا يتجاوز في معظمه أسلحة خفيفة وسيارات مدنية غير مخصّصة للعمليات العسكرية النظامية،وبهذا النوع من العتاد، لا تُفتح جبهات، ولا تُعاد رسم خرائط.
الأهم من كل ما سبق، أن الداخل العراقي اليوم ليس كما كان قبل عقد من الزمن،ولا يعاني أهالي المناطق الغربية من ذاكرة قصيرة فقد ذاقوا جحيم داعش بكل ما حمله من قتل وتهجير وإذلال وانهيار للحياة الطبيعية،هذه التجربة القاسية صنعت وعياً اجتماعياً وأمنياً، يجعل من الصعب جداً إعادة إنتاج المأساة أو تمرير مشاريع فوضوية تحت أي مسمى.
أما على الجانب السوري، فإن الدولة تعاني إنهاكاً اقتصادياً وخدمياً شديداً، وانقساماً سياسياً واضحاً، وعجزاً بنيوياً عن لملمة بيتها الداخلي، وفي ظل هذا الواقع، يبدو من غير المنطقي افتراض قدرتها أو استعدادها للمغامرة بمواجهة خارجية مع العراق، ونجح في تجاوز أزمات أمنية وسياسية معقدة.
ويبقى العامل الأكثر حساسية، وهو أن استقرار العراق لا ينفصل عن علاقاته المتوازنة مع دول الجوار، فأي توتر إقليمي غير محسوب قد يحول الحدود السورية إلى ساحة ضغط وفوضى، تُستغل من أطراف متعددة، وهو ما يتطلب سياسة عراقية تقوم على الجمع بين اليقظة الأمنية والحكمة السياسية، دون الانجرار إلى تضخيم التهديدات أو استنساخ مخاوف الماضي.

