شهدت الساعات الأولى من يوم السبت المصادف 3 كانون الثاني من عام 2026م، انطلاق الحملة العسكرية الأمريكية تجاه فنزويلا لإسقاط الحكم هناك وإنهاء حقبة نيكولاس مادورو، ليكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فصلًا جديدًا في السياسة الفنزويلية تحت عنوان (الحكم الديمقراطي).
بداية الصراع
تبنت فنزويلا نهجًا اشتراكيًا معاديًا للنفوذ الأمريكي منذ عهد هوغو تشافيز في عام 1999، عبر إطلاق مشروع الاشتراكية البوليفارية، الذي شمل تأميم القطاعات الاستراتيجية، وأهمها النفط والكهرباء والاتصالات، إلى جانب توسيع دور الدولة في التعليم والصحة والدعم الغذائي، بالإضافة إلى تقليص دور الشركات الخاصة، خصوصًا الأجنبية، ومنها الشركات الأمريكية. وقد اصطدم هذا التوجه مباشرة بالنموذج الرأسمالي الذي تدافع عنه الولايات المتحدة، فضلًا عن الخطاب العدائي لتشافيز ضد أمريكا، بوصفه لها بأنها “إمبريالية”، ووجه الاتهامات لها بأنها تتدخل في شؤون أمريكا اللاتينية، وأطلق لقب “الشيطان” على الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الابن في عام 2006.
كل هذه السياسات وضعت الولايات المتحدة في خانة الصراع مع فنزويلا، واشتد النزاع بعدما غيرت فنزويلا تحالفاتها لتتجه نحو روسيا وإيران والصين وكوبا، لتعتبر أمريكا ذلك التوجه تهديدًا مباشرًا لنفوذها في أمريكا اللاتينية.
مادورو يصل إلى قصر ميرافلوريس
بعد وفاة تشافيز في عام 2013، ورث مادورو نفس النهج، لكن مع إدارة أضعف، وأزمة اقتصادية خانقة، وتصاعد الصراع مع أمريكا عبر العقوبات، وعدم الاعتراف بالانتخابات، ودعم المعارضة.
دخلت فنزويلا في حكم مادورو مرحلة أشد تعقيدًا وأزمة، إذ انهارت أسعار النفط عالميًا بعد عام 2014، وانخفضت إيرادات الدولة بشكل حاد، خاصة أن اقتصادها يعتمد بصورة شبه كلية على النفط، فضلًا عن التضخم المفرط الذي وصل إلى ملايين بالمئة في بعض السنوات، ما أدى إلى تهدور العملة الوطنية بشكل كبير ونقص حاد في الغذاء والدواء والوقود.
فنزويلا تحت مظلة مادورو
شهدت البلاد انقسامًا سياسيًا حادًا بين حكومة مادورو والمعارضة، وفي عام 2019 أعلن زعيم المعارضة خوان غوايدو نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد، بدعم من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إلا أن مادورو تمكن من البقاء في السلطة مستندًا إلى دعم الجيش والقضاء، وحلفاء دوليين أهمهم روسيا والصين وإيران.
ترافقت الأزمة مع احتجاجات شعبية واسعة قُمعت أمنيًا، مما دفع ملايين الفنزويليين إلى مغادرة البلاد، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 7 ملايين شخص هاجروا، في أكبر موجة نزوح تشهدها أمريكا اللاتينية في تاريخها الحديث.
الرقصة الأخيرة
ظهر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 22 نوفمبر 2025 خلال فعالية في قصر ميرافلوريس وهو يرقص أمام حشد من الطلاب وأنصاره على أنغام موسيقى الرومبا الشعبية، في وقت تعيش فيه فنزويلا أزمة اقتصادية حادة تشمل نقص الغذاء والدواء وانقطاع الكهرباء، إضافة إلى توترات سياسية متصاعدة مع الولايات المتحدة بسبب العقوبات والتهديدات العسكرية.
استخدم مادورو الرقصة كوسيلة لإرسال رسالة تحدٍ، مؤكدًا عدم مبالاته بالضغوط الأمريكية، ومشدّدًا على شعاراته حول السلام، ولكن خلف هذه الابتسامات والإيقاعات كانت العلاقات متدهورة بالفعل، إذ أعلنت الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب عن حصار جوي وضغوط عسكرية غير مسبوقة على فنزويلا، بما في ذلك إغلاق المجال الجوي فوق البلاد وتحشيد قوات في الكاريبي، الأمر الذي دفع مادورو إلى التهديد بإعلان “جمهورية مسلحة” للدفاع عن سيادة بلاده.
لم يدم الوقت طويلًا حتى شنت أمريكا ضربات جوية ومدفعية واسعة النطاق على مواقع في فنزويلا، مع تركيز على العاصمة كراكاس، وبعد ساعات من القصف أعلن ترامب اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد لمواجهة الاتهامات الأمريكية، في خطوة تعد تصعيدًا غير مسبوق في العلاقات بين البلدين.
سارعت حكومة فنزويلا إلى إدانة ما وصفته بالعدوان العسكري الخطير جدًا، وإعلان حالة الطوارئ الوطنية، ودعت الشعب إلى التعبئة لمواجهة ما اعتبرته غزوًا أمريكيًا، بينما أعربت دول مجاورة مثل كولومبيا عن حذرها وأعلنت نشر قواتها على الحدود. فيما وصفت روسيا العملية بأنها عدوان مسلح غير مبرر، ودعت إلى منع التصعيد واللجوء إلى الحوار، مؤكدة حق فنزويلا في تقرير مصيرها دون تدخل خارجي. كما أدانت إيران الهجوم ووصفته بأنه تهديد للأمن الإقليمي والدولي، وطالبت مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي بالتدخل لوقف العدوان وحماية سيادة فنزويلا. أما الصين فانتقدت الضغط الأمريكي الأحادي على فنزويلا ودعت إلى احترام سيادة الدولة وتجنب التدخل العسكري، داعية إلى حل النزاعات عبر الحوار والتفاوض دون الانخراط المباشر في الصراع.
في ظل سقوط مادورو بقبضة ترامب، يتساءل العالم: هل ستنهض فنزويلا من أزمة عقود من النزاع، أم أن هذا التدخل سيفتح الباب أمام فوضى جديدة في قلب أمريكا اللاتينية؟

