محمد الطالب
في كربلاء، لا يبدأ شهر رمضان مع التقويم، بل يبدأ مع الشوق،ففي أواخر شهر شعبان، تتّجه أنظار الأهالي نحو الأفق الغربي، حيث تغرب الشمس حاملةً معها آخر أيام الانتظار، وتترك خلفها وعداً بولادة الهلال. يقف الرجال عند عتبات الأزقّة، ويصعد آخرون إلى سطوح منازلهم، يفتّشون السماء بحثاً عن تلك العلامة الصغيرة التي تعني بداية موسم الطاعة، وحين تتعذّر الرؤية، تتحوّل الأنظار إلى الطريق الرابط بين كربلاء والنجف، بانتظار الموفد الذي سيحمل اليقين، اذ لم يكن ذلك مجرّد إجراء شرعي، بل كان طقساً يعكس عمق العلاقة الروحية بين المدينة ومرجعيتها، ويجسّد وحدةً عقائدية ظلّت ثابتة عبر العقود.
شيئاً من تلك الأيام يأخذني حيث الطفولة عندما كنت اتجول برفقة والدي بينما كانت المقاهي تمتلئ بالرجال بانتظار عودة الموفد، وكانت المدينة كلّها تعيش حالة ترقّبٍ جماعي، اذ لم يكن أحد يتعامل مع رمضان بوصفه شهراً عادياً، بل باعتباره ضيفاً عزيزاً ينبغي استقباله بالتهيؤ الروحي والوجداني، فكان الحديث عنه يملأ البيوت والأسواق، ويتردّد على ألسنة البقّالين والخبّازين، وتتناقله النسوة في البيوت، حتى ليبدو وكأنّ الهواء نفسه صار مشبعاً باسمه.
ومع ثبوت الرؤية، تبدأ كربلاء بالتحوّل. المساجد والحسينيّات والصحنان الشريفان للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) تتحوّل إلى محاريب عامرة بالذكر، الناس يتوافدون يومياً بعد الإفطار لحضور المجالس، يجلسون بخشوع، يستمعون إلى الخطباء وهم ينسجون من كلماتهم جسوراً بين المعرفة والإيمان، اذ لم يكن المنبر مجرّد وسيلة وعظ، بل كان مدرسة متكاملة، ينهل منها الجميع، حتى أولئك الذين لم ينالوا حظّاً وافراً من التعليم، اذ يقول أحد ادباء المدينة، انه مر يوماً بمقهى، فوجد رجالاً بسطاء يتناقشون في مسائل فكرية عميقة، وعندما سألهم عن مصدر هذه المعرفة، أجابوه ببساطة: “نحن من مستمعي المجالس”. حينها أدركت أنّ المنبر لم يكن يعلّم الدين فحسب، بل كان يصنع الوعي.
وكان لليالي رمضان في كربلاء إيقاعها الخاص، بعد أن تهدأ الحركة وتخفت الأصوات، يظهر المسحّراتي، بطبلته وصوته الذي يخترق السكون، منادياً للسحور، فلم يكن مجرّد رجل يؤدّي وظيفة، بل كان جزءاً من ذاكرة المدينة، يحمل في صوته حناناً مألوفاً، ويوقظ الناس كما لو أنّه يوقظ فيهم معنى المشاركة، وفي صباح العيد، كان يعود ليجوب الأزقّة، فيستقبله الأطفال بفرح، ويبادل الأهالي التهاني، في مشهد يختصر العلاقة الحميمة بين الإنسان ومجتمعه.
ولم تكن الروح الرمضانية مقتصرة على المساجد، بل امتدّت إلى الأسواق التي كانت تستعدّ لهذا الشهر بحيوية لافتة، حيث كانت الحركة التجارية تنتعش في الأيام الأخيرة من شعبان، إذ تتوافد العائلات لشراء احتياجاتها، فلم تكن الأسواق مجرّد أماكن للبيع والشراء، بل كانت فضاءات اجتماعية حيّة، تلتقي فيها الوجوه وتتبادل التهاني، وكان التجّار، في كثير من الأحيان، ينظرون إلى تجارتهم بوصفها رسالة أخلاقية قبل أن تكون نشاطاً اقتصادياً، فيحرصون على توفير أفضل البضائع، ويضعون في حسبانهم حاجة الناس قبل الربح.
غير أنّ أبرز ما كان يميّز رمضان في كربلاء هو روح التكافل الاجتماعي، اذ كانت موائد الإفطار تمتدّ لتشمل الجميع، وكان تبادل الطعام بين البيوت تقليداً يومياً يعكس عمق الروابط الاجتماعية، لم يكن الفقير يشعر بالعوز، لأنّ المجتمع كان يسبقه في تلبية حاجته، حيث كان هناك ما يسمى بنظام البطاقات الذي كانت تتكفّل به المؤسسات الدينية وبعض المحسنين، حيث يحصل المحتاج على احتياجاته من الخبّاز والبقّال والقصّاب بكرامة كاملة، دون أن يُحرج أو يُسأل، فكان ذلك النظام يعبّر عن فهمٍ عميق لمعنى الكرامة الإنسانية.
ومع حلول العشر الأواخر، تتبدّل ملامح المدينة، الحزن يمتزج بالخشوع مع ذكرى استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فتُوشّح البيوت بالسواد، وتتّجه الجموع إلى الحرمين الشريفين لتقديم التعازي، كانت تلك الليالي تحمل طابعاً خاصاً، حيث يجتمع الناس بين الحزن والرجاء، بين الذكرى والأمل، ثم تأتي ليلة القدر، فتبلغ الروحانية ذروتها، فتتجمع الأهالي في الصحنين الشريفين، ويرفعون المصاحف، وتتعالى الأدعية في مشهدٍ يختصر معنى التوبة والانتماء.
وفي تلك الليالي، لم تكن كربلاء مدينة تنام، بل مدينة تحيا بمعنى آخر، حيث كانت الأزقّة القديمة، والأسواق، والمنازل، والمساجد، كلّها تشترك في صناعة هذه التجربة الفريدة، كان رمضان في كربلاء أكثر من شهر، كان حالة وجودية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وربّه، وبين الإنسان ومجتمعه.
واليوم، رغم تغيّر الزمن وتسارع الحياة، ما زالت تلك الروح حاضرة، وإن تبدّلت بعض مظاهرها. فما زال الهلال يُنتظر بالشوق ذاته، وما زالت المجالس تُقام، وما زالت الموائد تُمدّ، وما زالت كربلاء، كلّما أقبل رمضان، تستعيد ذاكرتها، وتفتح قلبها للضيف الذي لا يشبه سواه.
إنّ رمضان في كربلاء ليس مجرّد زمنٍ مقدّس، بل هو ذاكرة مدينة، وسيرة مجتمع، وتجربة إيمانٍ تتجدّد كلّ عام، لتؤكّد أنّ بعض المدن لا تعيش في الزمن، بل يعيش الزمن فيها.
