أمير الطائي – كربلاء
بين أروقة السياسة وقاعات النقاش يعود مقترح التجنيد الإلزامي ليتقدم جدول اعمال الجلسات النيابية مجدداً ليس كضرورة أمنية فحسب بل كبطاقة رابحة يراد منه انتشال الاف الشباب من مستنقع البطالة لكن وبقراءة هادئة لواقع الشارع العراقي وتحدياته المعيشية نجد أن هذا الطرح لا يعدو كونه تشخيصاً قاصراً بل هو محاولة لترحيل الأزمة لا حلها.
المعادلة المطروحة اليوم تبدو مخيبة للأمال عند تفكيكها فالدولة تعتزم زج الشاب في المؤسسة العسكرية لثلاث سنوات مقابل راتب لا يتجاوز ال 600 ألف دينار، فهي لا تنهي معاناته بل تؤجلها لهولة من الزمن.
وهنا نسأل هل يدرك أصحاب القرار أن هذا المبلغ في ظل الغلاء الفاحش وتآكل القيمة الشرائية لا يكفي لترميم حاضر الشاب فكيف ببناء مستقبله؟
إننا أمام عملية تجميد للطاقات حيث يخرج الشاب بعد انقضاء خدمته وقد زاد عمره سنوات ليجد نفسه مجدداً في مواجهة الرصيف بلا مهنة تسنده ولا وظيفة تضمن استقراره ليعود إلى نقطة الصفر بمرارة أكبر وطموح مكسور.
إن محاولة علاج البطالة عبر عسكرة الشباب هي حلول ترقيعية تفتقر للديمومة فبدلاً من تحويل جيل كامل إلى أرقام عسكرية مؤقتة كان الأجدى أن توجه ميزانيات التجنيد المليارية نحو استنهاض القطاع الإنتاجي إن بناء مصنع واحد أو تدشين مدينة صناعية أو دعم معامل حقيقية كفيل بخلق فرص عمل مستدامة تمنح الشاب حرفة يعتاش منها طوال حياته وضماناً اجتماعياً يحميه في كبره بدلاً من تركه يلم حطام ثلاث سنوات سلبت من عمره في خدمة لا تغني ولا تشبع من جوع .
إذا كانت النية صادقة في تعزيز الروح الوطنية وتوفير العيش الكريم فإن الحل يكمن في فتح باب التطوع الدائم على مختلف الاجهزة الامنية لمن يمتلك الرغبة والدافع برواتب مجزية تجعل من الجندي متفان في واجبه ومستقراً مادياً أما الغالبية العظمى من الشباب فمكانهم الطبيعي هو في عجلة الاقتصاد في المعامل وورش الإعمار التي تبني البلاد وتنتشل العائلات من خط الفقر كون هنالك عدداً كبيراً من الشباب لا يحبذ الخدمة العسكرية ليكونوا احراراً من الالتزامات الصارمة التي يواجهها في السلك الامني.
إن الشاب العراقي اليوم لا يبحث عن بزة عسكرية يرتديها لزمن محدد ثم يخلعها ليواجه المجهول إنه يبحث عن أمان وظيفي وكرامة إنسانية إن الاستثمار في العقل واليد العاملة داخل المصانع هو الضمانة الحقيقية لأمن الوطن واستقراره أما المراهنة على الحلول العسكرية للقضايا الاقتصادية فهي ليست إلا هروباً إلى الأمام في نفق مظلم لا نهاية له.
