امير الطائي – كربلاء
في مشهد بات يتكرر يومياً عبر منصات التواصل الاجتماعي نجد أنفسنا أمام مفارقة عجيبة قلبت موازين العمل المؤسسي في بلادنا. فبينما كان من المفترض أن نرى سعادة النائب تحت قبة البرلمان يشرع القوانين ويراقب أداء السلطة التنفيذية من خلال الأدوات الدستورية أصبحنا نراه مراسلاً ميدانياً يجوب الدوائر الخدمية ممسكاً بميكروفونه أو محاطاً بعدسات هاتفه ليمارس دور الإعلامي تارة ودور المفتش تارة أخرى.
هذا التحول ليس مجرد نشاط اجتماعي كما يحاول البعض تصويره بل هو مؤشر خطير على تداخل الصلاحيات وضياع الهوية الوظيفية للنائب وهو ما أدى بوعي أو بدون وعي إلى بطالة قسرية للإعلاميين الحقيقيين وتراجع مخيف في جودة العمل التشريعي.
إن نزول النائب إلى الشارع وملاحقة الموظفين في الدوائر الخدمية أمام الكاميرات قد يمنحه لايكات سريعة وتفاعلاً عاطفياً من جمهور يبحث عن حلول آنية لمشاكله لكنه في الحقيقة هروب من الدور الأساسي فالنائب وُجد ليشرع قوانين تضمن انسيابية الخدمات لكل المواطنين لا ليحل مشكلة فردية لمواطن واحد أمام الكاميرا ليثبت بطولته.
عندما يتقمص النائب دور المراسل الميداني فإنه يفرغ المنصب التشريعي من هيبته ويتحول من رقيب مؤسسي يحاسب الوزير والحكومة إلى ناشط يبحث عن التريند.
هذه الظاهرة لم تكتفِ بإرباك المشهد السياسي بل سحبت البساط من تحت أقدام السلطة الرابعة. الإعلامي المهني الذي يقضي ساعات في البحث والتقصي لإعداد تقرير يكشف خللاً ما يجد نفسه اليوم خارج اللعبة لأن النائب المؤثر يمتلك الحصانة التي تفتح له الأبواب المغلقة ويمتلك المنصة التي تمنحه الوصول السريع متجاوزاً بذلك أسس العمل الصحفي الرصين والقائم على الحياد والموضوعية.
لقد تحولت الدوائر الحكومية إلى استوديوهات مفتوحة للسادة النواب بينما يُمنع الصحفي في كثير من الأحيان من دخول تلك المؤسسات بحجة عدم وجود موافقات أمنية أو سرية العمل فصار النائب هو الخصم والحكم وهو الناشر والمحرر.
الخطورة تكمن في أن الرقابة الميدانية المصورة هي رقابة انتقائية وشخصية تهدف في الغالب للدعاية الانتخابية المبكرة في المقابل تظل ملفات الفساد الكبرى والقوانين المعطلة التي تهم ملايين المواطنين مركونة على رفوف اللجان البرلمانية بانتظار نواب يتفرغون لمهمتهم التي انتخبوا من أجلها.
نحن بحاجة إلى نائب يشرع لنا قانوناً يحمي حقوقنا وإعلامي يكشف لنا مواطن الخلل بمهنية.
أما خلط الأوراق وتحويل البرلمان إلى وكالة أنباء ميدانية فهو تدمير للمؤسسات وتسطيح للوعي العام.
يا سيادة النائب اترك الكاميرا للإعلامي والميكروفون للمراسل وعد إلى مقعدك تحت القبة فالشعب ينتظر منك قانوناً لا منشوراً على الفيسبوك.
