الدكتور محمد نعمه الغالبي – العراق
أربعون يوماً من الحرب الضروس لم تصمد أمامها جميع التوقعات، إذ كشّرت عن فرط عنف ووحشية، وجرّدت العالم من سردية القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، بعد أن تعرّت هذه السردية سابقاً في حرب غزة ولبنان.
لم يكن العراق بعيداً عن هذه الحرب؛ إذ تعرّض لعشرات الضربات التي استهدفت مقرات عسكرية، وفي طليعتها مقرات هيئة الحشد الشعبي، ما خلّف عشرات الشهداء من أبناء القوات المسلحة، إلى جانب انتهاكات سافرة للأجواء العراقية، وضعضعة واضحة في الدبلوماسية العراقية، بعد أن أصبحت المقدرات الأمريكية ومصالحها في مرمى نيران الفصائل.
اختفت قيادات سياسية كبيرة عن المشهد الصاخب، ولم نلحظ أي تصريحات لزعامات طالما احتكرت شاشات التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي. ولعل الحدث الأبرز الذي دفعهم إلى الإدلاء بتصريحاتهم هو تعرض منزل الرئيس السيد مسعود برزاني للقصف…! عندها فقط ظهرت مواقف مندّدة، فأثبتوا أنهم ما زالوا على قيد الحياة.
كان العراقيون الأكثر تفاعلاً مع وقائع الحرب؛ إذ إن الخصال الذاتية للفرد العراقي، التي ما زال يحافظ عليها ويصقلها يومياً بطقوس عرفية ودينية، لا تسمح له بأن يكون مراقباً مستقلاً. فالشهامة والمروءة والحمية وحسن الجوار خصال متجذّرة، والعمق العقائدي – بشقيه الواعي واللاواعي – يدفعه للانحياز.
فسرعان ما قفزت إلى الأذهان المواقف النبيلة في حرب العراقيين مع “داعش”، وقارنها عامة الناس بأيام التفجيرات الدامية والانتحاريين. وكانت الشواهد كثيرة وكبيرة، لكن المقارنة الأهم كانت بين القادة أنفسهم.
فبعد الصمود الأسطوري الذي قدّمه حزب الله في لبنان، رغم استشهاد الصف الأول من قياداته في الميدان، وبقاء الروح المعنوية مرتفعة، وكذلك ما عاشته غزة من قمع ودمار واستشهاد لقيادات حماس، وصولاً إلى ما تعرّضت له قيادات إيرانية من استهداف، دخلت الجماهير في حالة ذهول، وسقطت الكثير من السرديات التي روّجت لها منصات الإعلام.
لقد تحوّل مقتل القادة – على عكس المتوقع – إلى عامل جذب حتى للآراء المناهضة، إذ أسهم في إسكات الأصوات المشككة، وظهر ذلك بوضوح في التخبط الإعلامي المقابل، الذي أخذ يبحث عن أي صورة تُضعف هذا المشهد المتماسك.
وكانت القاعدة الحاكمة هنا: “السيف أصدق أنباءً من الكتب”.
وانعكس ذلك على مستوى الشعوب التي تتسم بذات الخصال، فكان التفاعل واسعاً في مصر واليمن والجزائر، وحتى في بعض الأوساط في الأردن وغيرها. فالقيادة المضحية قيادة جاذبة، لأنها تعبّر عن منهج راسخ ومعتقدات يُؤمن أصحابها بنبلها، فيقدّمون التضحيات من أجلها، وهو ما يدفع المراقب إلى التعمق في فهم هذا الإيثار الذي كثيراً ما يقود إلى التعلّق بسرديته العقائدية.
أما في العراق، فكان التفاعل كبيراً أيضاً، لكن المقارنة لم تغب عن ذهن المواطن. فبقدر ما وجد مصداقية في نموذج القيادة التي تضحي في الميدان، وتعيش ببساطة، وتخطط استراتيجياً لمستقبل الأمة، بقدر ما اصطدم بواقع من البنى التحتية الهشة، والعشوائيات، والفساد المالي، والترهل الإداري، وضبابية العلاقات الدولية، وسطحية المواقف المصيرية.
كل ذلك ولّد حالة من الصخب الشعبي والنقمة الواضحة. فالذين لم يصمدوا أمام تغريدة لرئيس الولايات المتحدة، لا يمكن أن يحظوا بذات الاحترام الذي يُمنح لمن صمدوا أمام طائرات F-15 وF-16 وF-35 وB-52.
نعم، تلك قيادة جاذبة، لها شواهدها في التاريخ والمعتقد، أما هذه فزعامات مرحلية، سطحية وهشة، لا تصمد أمام الاختبارات المصيرية.

