أحمد صلاح – العراق
منذ عقودٍ طويلة، صدّعتنا الأنظمة العربية بخطاباتٍ ملتهبة عن (تحرير فلسطين)، وعن جيوشٍ جرّارة ستزحف يومًا ما لاقتلاع الاحتلال من جذوره.
كانت المنابر تهتزّ بالشعارات، والميادين تمتلئ بالخطب الرنّانة، واسم فلسطين يُستحضر في كل مناسبة كعنوانٍ للكرامة العربية ورايةٍ للوحدة المزعومة، لكن السنوات مرّت، والحروب هدأت، والخطابات خفتت، وبقي الاحتلال جاثمًا، بينما تغيّر كل شيءٍ آخر.
منذ نكبة 1948 وحتى اليوم، ظلّ الكيان الإسرائيلي يتمدّد، فيما كانت الأنظمة العربية تتراجع خطوةً بعد أخرى، بعد حروبٍ كبرى مثل حرب 1967 وحرب 1973، تحوّل مسار الصراع من ميادين القتال إلى غرف المفاوضات، ومع توقيع اتفاقيات كـ اتفاقية كامب ديفيد، بدأ التحوّل العلني في المواقف الرسمية، وتوالت الاتفاقات حتى وصلت إلى موجة التطبيع الواسعة التي تجسدت في اتفاقيات أبراهام، فانتقل الخطاب من (التحرير) إلى (السلام الدافئ) و(الشراكات الاستراتيجية).
لم يعد الأمر يقتصر على علاقات دبلوماسية أو تبادل تجاري، بل تحوّل – وفق الوقائع السياسية والعسكرية المعلنة – إلى تحالفات أمنية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة، الشريك الاستراتيجي الأول لإسرائيل.
بعض الدول التي كانت تتغنّى بالمقاومة باتت اليوم تستضيف قواعد عسكرية أجنبية، وتشارك في منظومات دفاعٍ إقليمي، وتنسّق أمنيًا بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وفي الوقت الذي تُكدّس فيه الصواريخ ومنظومات الدفاع تحت عناوين (حماية الاستقرار)، يتساءل الشارع العربي: حماية من؟ ولأجل من؟ وضد من ستُستخدم هذه الترسانات إن اشتعلت المنطقة؟
هذا التحوّل الحادّ كشف فجوةً هائلة بين الخطاب والواقع، لعقود، صُوِّرت إسرائيل على أنها (العدو المركزي)، وصُوّر دعم فلسطين كواجبٍ عقائدي وقومي، لكن حين تغيّرت موازين المصالح، تغيّر معها تعريف العدو والصديق، وتحوّلت القضية الفلسطينية من “قضية العرب الأولى” إلى ملفٍ تفاوضي، هنا برز السؤال القاسي: هل كانت الشعارات يومًا تعبيرًا عن مبدأ، أم مجرد أداةٍ لإدارة الشارع؟
في المقابل، برز محورٌ آخر غير عربي، لكنه مسلم شيعي يعلن – صراحةً – أن المواجهة مع إسرائيل لم تنتهِ، وأن الصراع ما يزال قائمًا، تلعب إيران دورًا محوريًا في دعم فصائل المقاومة الفلسطينية، سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا، وتتبنّى خطابًا ثابتًا يعتبر أن الاعتراف بإسرائيل خط أحمر، ورغم كل ما يُقال عن حسابات النفوذ والصراع الإقليمي، فإن موقفها المعلن تجاه الاحتلال لم يشهد انعطافةً نحو التطبيع، بل بقي في سياق المواجهة.
أما العراق، فبرغم ما مرّ به من احتلالٍ وحروبٍ وأزمات داخلية، ظلّ على المستوى الشعبي والرسمي العام يرفض التطبيع، ويؤكد في قوانينه وخطابه السياسي أن فلسطين قضية مبدئية.
الشارع العراقي، بمختلف أطيافه، لم يتخلّ عن حساسيته تجاه القدس وغزة، ولم تتحول إسرائيل في وعيه إلى (دولة).
المفارقة المؤلمة أن بعض الأنظمة التي كانت تتحدث عن (الخطر الصهيوني) بوصفه تهديدًا وجوديًا، باتت ترى في إسرائيل شريكًا أمنيًا واقتصاديًا، هذا التقلّب لم يُقنع الشارع، بل زاد من فجوة الثقة بين الشعوب وحكوماتها، فالمبدأ – إن كان مبدأً – لا يتبدّل بتبدّل الإدارات في واشنطن، ولا يُعاد تعريفه وفق أسعار النفط أو التحالفات.
