أحمد صلاح – كربلاء
في التاريخ المعاصر، تُعدّ مسارات الدول الخارجة من الحروب معيارًا لقياس قدرة الأنظمة السياسية على توظيف الأزمات في بناء الدولة.
وبينما تُطرح اليابان كنموذج بارز للنهوض الشامل بعد الدمار، يشكّل العراق بعد 2003 نموذجًا معاكسًا، إذ تجمعت فيه موارد كبرى وإمكانات هائلة، لكن دون أن تُترجم إلى بناء مؤسسات أو تحقيق تنمية حقيقية.
نهوض من تحت الرماد
رغم أن اليابان تعرضت لأبشع صور الدمار نتيجة الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك استخدام السلاح النووي ضد المدنيين، فإنها وضعت أسسًا جديدة للدولة، منها إصلاحات دستورية، إعادة هيكلة اقتصادية، استثمار في التعليم والصناعة، وانفتاح مدروس على العالم.
وبدعم أمريكي محسوب، وخطة داخلية واضحة، تحولت اليابان من دولة منهكة إلى قوة صناعية في غضون عقدين فقط.
عشرون عامًا من الوعود والانقسام
في العراق، وبعد سقوط النظام عام 2003، انطلقت العملية السياسية على وقع وعود انتخابية متكررة بتوفير الخدمات، وتحقيق العدالة، وبناء دولة المؤسسات.
لكن هذه الوعود بقيت حبراً على ورق، لم تترجم إلى قوانين حقيقية تنهض بالواقع، بل صارت أداة لتدوير الأزمات. الانتخابات أصبحت وسيلة لإعادة إنتاج ذات الطبقة السياسية، التي انشغلت بالصراع على النفوذ أكثر من انشغالها بتقديم حلول.
صراع بلا رؤية
تميّزت المرحلة ما بعد 2003 بصراع سياسي محتدم، ليس فقط بين السنة والشيعة، بل حتى داخل كل مكون، بين أحزاب البيت الشيعي، أو بين القيادات السنية، في نزاعات غالبًا ما تتركز حول تقاسم السلطة والمصالح والمناصب، لا على وضع سياسات حقيقية تنظم الاقتصاد أو تُصلح التعليم والصحة.
البرلمان، الذي من المفترض أن يكون منبرًا للتشريع الوطني، بات رهينة التوافقات والمحاصصة، وغالبًا ما يُعطل تشريع القوانين المفصلية – مثل قانون النفط والغاز، أو قوانين الإسكان، أو إصلاح الجهاز الإداري – بسبب صراعات مكوناتية أو ولاءات خارجية تتدخل في صياغة القرار السيادي.
انتماءات عابرة للحدود
من أبرز ما يعيق تقدم الدولة العراقية هو ارتهان عدد من القوى السياسية لجهات خارجية، وهذا الانقسام في الولاءات جعل العراق ساحة لتصفية صراعات إقليمية ودولية، بدل أن يكون دولة ذات سيادة حقيقية، فكل مشروع وطني يُقابَل بحسابات خارجية، وكل خطة إصلاح تمرّ عبر بوابات دول إقليمية، ما يعطل فرص النهوض المستقل.
غياب الدولة
رغم صرف تريليونات الدنانير على مدار العشرين عامًا الماضية، لا يزال العراق يفتقر إلى بنى تحتية فعّالة.، الكهرباء تعاني من عجز مزمن، المياه غير مستقرة، وشبكات النقل في حالة تراجع مستمر، المدن توسعت بشكل عشوائي، وأزمة السكن تفاقمت في ظل غياب سياسة إسكانية واضحة، أما القطاع الصناعي، فبقي خارج دائرة الفعل، وتحولت البلاد إلى مستورد شبه كلي لكل ما تستهلكه.
تراجع مقلق
قطاع التعليم لم يشهد إصلاحًا حقيقيًا، بل تراجع تصنيف العراق دوليًا في معايير جودة التعليم، المدارس مكتظة، المناهج قديمة، والكوادر تُهمل وتهاجر، والقطاع الصحي يواجه واقعًا مشابهًا، حيث أصبحت مؤسسات الدولة عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات، مع لجوء المواطنين المتزايد إلى الخارج للعلاج، او الى مؤسسات القطاع الخاص.
تشير المقارنة بين التجربتين العراقية واليابانية إلى أن الإمكانات الطبيعية أو الدعم الدولي لا تكفي لتحقيق النهوض، ما يُحدد المسار هو وجود إرادة سياسية وطنية، ونظام مؤسساتي مستقل، وقيادة تضع مصلحة الدولة فوق الولاء الطائفي أو الإقليمي، في اليابان، اختير طريق بناء الدولة؛ في العراق، استُنزفت الثروات في صراعات لا تُنتج دولة، ولا تحفظ كرامة مواطنيها.

