د. محمد نعمة الغالبي
تُعدّ الانتخابات في العراق محطة أساسية لتجديد الحياة السياسية وتفعيل المشاركة الشعبية، إلا أن الواقع الانتخابي يكشف عن مفارقات لافتة بين الحق الدستوري في الترشيح والقدرة السياسية على ممارسته بوعي ومسؤولية.
فالمادة (20) من الدستور العراقي نصّت على أن:
“للمواطنين، رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.”
كما أقرّ قانون الانتخابات رقم (9) لسنة 2020 في مادته الثامنة أن:
“لكل عراقي تتوافر فيه الشروط المنصوص عليها في هذا القانون الحق في ترشيح نفسه للانتخابات العامة لمجلس النواب.”
لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا:
هل يكفي أن تتوافر الشروط القانونية ليكون الترشيح فعلاً سياسيًا ناضجًا؟ أم أن الممارسة الديمقراطية تحتاج إلى مؤهلات سياسية وثقافية تجعلها حقيقية وجادّة وفاعلة؟
في الانتخابات الأخيرة، شهدنا مشاركة واسعة لمرشحين من مختلف الاتجاهات، لكن النتائج أظهرت أن عددًا كبيرًا منهم لم يحصل إلا على عشرات الأصوات، بل إن بعضهم لم يتجاوز حاجز الصوت الواحد. وهو ما يثير تساؤلات حول جدوى الترشيح من دون قاعدة جماهيرية أو رؤية سياسية واضحة.
إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد المرشحين، بل بوعيهم، وبقدرة الناخبين على التمييز بين من يملك مشروعًا سياسيًا واضحًا ومن يسعى فقط إلى الوجاهة أو الشهرة أو النفوذ. فالمرشح الذي يخلط بين الحضور الاجتماعي والحضور الانتخابي يخطئ في فهم طبيعة التمثيل النيابي، لأن الانتخابات ليست ساحة لإثبات الذات، بل مسؤولية لخدمة الناس وتشريع القوانين ومراقبة السلطة.
الهوس بالسلطة، والرغبة في الظهور تحت أضواء المناصب، لا يصنعان سياسيًا حقيقيًا. فـ لاعب كرة القدم، مهما بلغ من شهرة، ليس بالضرورة أن ينجح كنائبٍ في البرلمان. وكذلك الإعلامي أو رجل الدين أو شيخ العشيرة، لكلٍ منهم دوره ومكانه، لكن العمل السياسي يتطلب خبرة، ووعيًا، ومشروعًا واقعيًا.
ومع تطور التجربة الانتخابية وتغير مزاج الجيل الشاب، باتت الحاجة ملحّة إلى وعي مزدوج: وعي سياسي لدى الجمهور يقابله وعي انتخابي لدى المرشحين. فالديمقراطية لا تُبنى بالطموحات الفضفاضة أو بالعصبيات القبلية والمناطقية، بل من خلال عمل سياسي منظم وفعاليات مجتمعية مستمرة تلامس القضايا المحلية وتطرح رؤى استراتيجية تحقق أهدافًا وطنية حقيقية.

