قد تبدو قصة معسل “الإنكليزي” مجرد حكاية شعبية عن منتج انتشر من مقهى صغير في مدينة الصدر، لكنها في جوهرها تمثّل نموذجاً مكثفاً عن العلاقة بين الابتكار والملكية، وبين الخيال الفردي ومنطق السوق، وعن المسافة الهائلة بين خلق الفكرة وبين حمايتها.
ففي عام 2019، افتتح الشاب أشرف نومان مقهى متواضعاً، ومن خلال ممارسة يومية لا تخضع لأي منهج علمي أو أدوات مختبرية، وإنما لآلية تقوم على التجريب والملاحظة الحسية و”منطق الذوق”، توصّل بعد عام من المحاولات إلى خلطة معسل خفيفة ومحببة أطلق عليها اسم: “الإنكليزي”.
هكذا تولد الابتكارات غالباً ليس من رحم المؤسسات الضخمة، بل من التفاعل العضوي بين الحاجة والخيال، ومع ذلك، فإن ما يولد ببساطة يمكن أن يضيع بنفس القدر من البساطة.
انتشر “الإنكليزي” محلياً، ثم إقليمياً، حتى وصلت رائحته إلى مقاهي أوروبا وتركيا عبر المغتربين العراقيين الذين طلبوه بالاسم، غير أن انتشار الفكرة خارج شروطها الأصلية كشف عن مفارقة مؤلمة” قيمة الفكرة لا تكمن في وجودها، بل في قدرتها على حماية نفسها”.
فأشرف، بصفته الفرد المبدع، جسّد النموذج الذي وصفه العلماء بــ”الفاعل الخلاق” (Creative Agent)، لكنه افتقر إلى ما يمكن أن نسميه “وعي الملكية”، أي الوعي بأن كل ابتكار هو رأس مال رمزي لا يعيش دون مظلة قانونية.
لم يُسجّل الاسم علامة تجارية، ولم يُعامل سر الخلطة كملكية فكرية، وهكذا تحوّل المنتج من فكرة فردية إلى فضاء مفتوح للتكرار.
وهنا استثمرت شركات تبغ إقليمية وأجنبية هذا الفراغ، وبلا تردد نسخت التجربة بالكامل، نسخت الخلطة، واستعارت الاسم، وتبنّت الأسلوب التسويقي نفسه، فلم تعد “الإنكليزي” ملكاً لمبدعها، بل تحوّلت إلى علامة سائبة تُستخدم دون إذن صاحبها، حتى أصبح اسمها يتردد في أسواق متعددة، بينما غاب أثر أشرف عن المشهد الذي صنعه.
إن البعد المأساوي في القصة ليس فقدان السوق بقدر ما هو فقدان الملكية الرمزية؛ فقد اكتشف أشرف – وإن متأخراً – أن العالم التجاري لا يكافئ النوايا الطيبة، وأن الأفكار التي لا تُحاط بنظام الحماية تتحول إلى صيد سهل في بيئة تنافسية شرسة، ولو تم تسجيل معسل “الإنكليزي” كعلامة تجارية، أو حفظ الخلطة كسر صناعي، لتحوّلت التجربة إلى استثمار وامتياز تجاري، ولمكن صاحبها من الترخيص والانتشار العالمي، بدلاً من أن يصبح مجرد شاهد على استحواذ الآخرين على منظومته الإبداعية.
واليوم، وفي مفارقة تكاد تكون درساً مكتمل العناصر، تنتشر عشرات المقاهي في العراق بنفس الاسم، وتدرج مقاهٍ فاخرة في بغداد وعمان وبيروت ودبي “معسل الإنكليزي” ضمن قوائمها، بينما يبقى صاحب الفكرة الأصلي خارج المشهد، كمن أنتج مفهوماً ولم يمتلك قاموسه.
إن القصة، في عمقها، ليست عن معسل ولا عن مقهى، بل عن سؤال جوهري:
ما قيمة الابتكار إن لم يُحمَ؟
وما مصير الفكرة حين تخرج من يد صاحبها إلى فضاء بلا جدران؟
أسئلة لا تحتاج إلى إجابة.. بل تحتاج إلى أن يحمي المبدعون أفكارهم ومواهبهم فـ سرّاق الأحلام كُثر، لا تكن آلة بيد غيرك، كن أنت الأصل .. والسلام

