نورالدين الفتلاوي – كربلاء
في عالم الأدب، تولد بعض الأفكار من لحظة عابرة، بينما تنشأ أخرى من حلم طويل يرافق صاحبه حتى يرى النور، هكذا كانت تجربة الكاتبة العراقية بنين آل علي مع كتابها المشترك (قطار الذاكرة)، الذي لم يكن مجرد إصدار أدبي جديد، بل مشروعًا ثقافيًا حمل طموحًا يتجاوز حدود المكان واللغة.
بدأت الحكاية عام 2022م، عندما راودت الكاتبة فكرة استثنائية تجمع بين حبها للسفر وشغفها بالأدب، لكنها لم تختر السفر بالطائرة أو القطار الحقيقي، بل قررت أن تخوض رحلة من نوع آخر، رحلة عبر الكلمات والخيال، ومن هنا انطلقت فكرة (قطار الذاكرة)، ليصبح كل نص محطة، وكل كاتب مسافرًا يحمل معه حكاية مستوحاة من دولة اختارها بنفسه.
لم تكتفِ بنين آل علي بجمع النصوص في كتاب واحد، بل سعت إلى منحها بعدًا عالميًا عبر ترجمتها إلى لغات متعددة، لإيصال أصوات الكتّاب العراقيين إلى قرّاء من مختلف أنحاء العالم، وشكّلت الترجمة التحدي الأكبر في المشروع، لكنها كانت في الوقت نفسه الركيزة الأساسية التي منحت الكتاب فرادته وتميزه.
ولأن الرحلة كانت الفكرة المحورية للعمل، انعكس ذلك حتى على تفاصيل التصميم، إذ جاءت الفواصل على هيئة تذاكر سفر، في لمسة رمزية تدعو القارئ إلى الانتقال بين المحطات الأدبية وكأنه يعبر القارات دون أن يغادر صفحات الكتاب.
وتؤكد آل علي أنّ هدفها الأول كان نشر الثقافة الأدبية وتعزيز حضورها على نطاق أوسع، مشيرة إلى، أنّ تنوع اللغات والثقافات داخل الكتاب أسهم في تشجيع الكتّاب على خوض تجارب جديدة في الكتابة والترجمة، مما أضفى على العمل ثراءً إنسانيًا وفكريًا لافتًا.
ورغم أن بنين آل علي تمتلك رصيدًا من المشاركات في عشرة كتب مشتركة، فإن (قطار الذاكرة) يمثل محطة خاصة في مسيرتها الأدبية، إذ ذكرت أنها شعرت أثناء قراءة الكتاب وكأن جميع النصوص من كتاباتها، في إشارة إلى حجم ارتباطها العاطفي والفكري بهذا المشروع.
ويعد كتاب قطار الذاكرة بالنسبة لبنين إنه رحلة أدبية عبر العالم، ورسالة تؤكد أن الكلمة قادرة على عبور الحدود، وأن الذاكرة الإنسانية، مهما اختلفت لغاتها وثقافاتها، تبقى مساحة مشتركة تجمع الجميع في محطة واحدة.

