في مثل هذا اليوم
١٥ تموز ١٩٥٨
مصرع رئيس الوزراء العراقي الاسبق نوري السعيد في منطقة البتاوين في بغداد في اليوم التالي للانقلاب العسكري الذي أنهى الحكم الملكي في العراق .

نوري السعيد
نوري باشا السعيد (1888 – 1958)، سياسي عراقي شغل منصب رئاسة الوزراء في المملكة العراقية 14 مرة من وزارة 23 مارس 1930 إلى وزارة 1 مايو 1958، كان نوري السعيد ولم يزل شخصية سياسية كَثُر الجدل حولها ولقد اختلفت الآراء عنه، ولقد اضطر إلى الهروب مرتين من العراق بسبب انقلابات حيكت ضده، ولد في بغداد وتخرج من المدرسة الحربية في إسطنبول، حيث خدم في الجيش العثماني وساهم في الثورة العربية وانضم إلى الأمير فيصل في سوريا، وبعد فشل تأسيس مملكة الأمير فيصل في سوريا على يد الجيش الفرنسي، عاد إلى العراق وساهم في تأسيس المملكة العراقية والجيش العراقي.

مصرع نوري السعيد
بعد سماع نوري باشا السعيد بتفاقم الأحداث المتلاحق بعد إعلان الجمهورية، فإنه لم يكن لديه الوقت الكافي للمقاومة ولا للهرب، لذا حاول الاختباء لمدة يومين كاملين تمهيدا للهرب ومقاومة النظام الجديد كما فعل عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941.

عرف نوري السعيد بمقدم قوة عسكرية من المهاجمين بغرض إلقاء القبض عليه، فتنكّر بزي امرأة ليتمكن من المرور من بين المهاجمين والحشود الملتفة حولهم، فاستقل سيارة انطلق بها إلى إلى منطقة الكاظمية لاجئا إلى بيت صديقه الحاج محمود الاسترابادي التاجر الكبير وعميد عائلة الاسترابادي المعروفة، كما فعلها سابقا بعد ثورة 1941 حيث لجأ نوري السعيد إلى بيت الحاج محمود الاسترابادي خلال حركة رشيد عالي الكيلاني التي ساعدته على الانتقال خارج بغداد إلى محافظة العمارة وانتقل من هناك إلى خارج العراق مع الوصي عبد الإله ليتدبروا إسقاط حكومة الثورة يومذاك.

وبعد جلاء الموقف أمام القادة الجدد أدركوا مخاوفهم بأن هرب نوري السعيد المعروف بدهائه وحنكته سيسبب لهم مصاعب جمة وربما بأسلوبه واطلاعه على خبايا الأمور سيقنع الإنجليز بالإطاحة بالحكم الجمهوري الجديد. وفي مساء 14 يوليو/ تموز أعلن القائد المنفذ للحركة عبد السلام عارف مكافأة مالية للقبض على نوري السعيد، وبعد يوم من ذلك قام من جانبه عبد الكريم قاسم زعيم الحركة ورئيس وزرائها بتكرار إعلان ذلك، وتوالت إعلانات هرب نوري السعيد بشكل هستيري من خلال بيانات أذاعتها وزارة الداخلية من دار الإذاعة العراقية مما وجه اهتمام الشارع نحو البحث عن السعيد بشكل تراجيدي محموم، وأسقطت من يد السعيد كل محاولات الاختباء والهرب وبدأت تضيق الدائرة حول تحركاته، لقد كان هدفه أن لا يبقى مختبئا بل الفرار إلى خارج العراق ليتدبر أمر مقاومة النظام الجديد. ففي يوم 15 يوليو/ تموز انطلق على وجه السرعة تاركا خلفه بيت الاسترابادي في محاولة منه للتقدم بخطوة للأمام نحو خارج العراق متوجها نحو بيت الشيخ محمد العريبي عضو مجلس النواب وأحد المقربين في منطقة البتاويين وسط بغداد التي كانت تأن الفوضى التي تعج بها جراء سقوط النظام الملكي وانهيار الدولة، حيث امتزجت فيها مشاعر الفرح بنجاح الحركة وإعلان الجمهورية بالحزن جراء أعمال العنف والقتل العشوائي من قبل الدهماء.

توجه السعيد على عجل إلى البتاويين تعرف اليه أحد الشبان في منطقة الكاظمية وهو يروم الركوب في السيارة بعد أن انكشفت ملابسه التنكرية، أبلغ الشاب السلطات بتزويدها برقم السيارة المنطلقة، وبعد اجتياز عدد من الحواجز والطرقات الفرعية بصعوبة جمة، وصل إلى بيت البصام وتصحبه الحاجة زوجة الحاج محمود الاسترابادي للدلالة، وبعد ترجله من السيارة تعرفت المفارز الأمنية على السيارة فتمت ملاحقته وما لبث أن تطورت المواجهة إلى اشتباك بالأسلحة الخفيفة بين نوري السعيد وعناصر القوة الأمنية حيث أصابت رصاصة طائشة أثناء تبادل إطلاق النار، السيدة الاسترابادي واردتها قتيلة، في حين حوصر السعيد ولم يتمكن من دخول البيت أو الهرب عبر الأزقة المجاورة، وهنا اختلفت الروايات حول مصرع الباشا فإحدى الروايات تذكر بأنه أُصيب بعدد من الإطلاقات من قبل أحد عناصر القوة المهاجمة والتي ادت إلى وفاته، وتذكر رواية أخرى وردت في مذكرات الدكتور صالح البصام أحد اصدقاء نوري السعيد الشخصيين، بأنه عندما وجد نفسه محاصرا وأن مصيره سيكون مشابه لمصير الوصي عبد الاله أطلق على نفسه رصاصة الرحمة، كي لا يعطي فرصة لخصومه للإمساك به وإهانته وتعذيبه.
ودُفن نوري السعيد في مقبرة الكرخ بعد وضع جثته في قبو بوزارة الدفاع حيث كان يتواجد العميد عبد الكريم قاسم الذي بعد تأكده من وفاته أمر بنقل جثمانه إلى المستشفى ثم دائرة الطب العدلي لاستكمال الإجراءات الأصولية لدفنه، لقد مات نوري السعيد ولم يترك لأهله أي مبلغ من المال أو تركة يرثونها، وقامت الحكومة البريطانية بتخصيص مبلغ قليل لزوجته لا يكاد يكفي لسد رمقها.

